انطق كلمة "خرير" ثم كلمة "صليل". ستجد أن الأولى تنساب والثانية تحتدّ، قبل أن تعرف معنى أي منهما.
هذا ليس وهمًا. فالعرب حين سمّت الأصوات لم تختر ألفاظًا اعتباطية، بل اختارت حروفًا تحاكي الصوت نفسه. فالخاء والراء فيهما جريان يناسب جريان الماء، والصاد واللام فيهما رنين يناسب اصطكاك الحديد.
ويسمّي علماء اللغة هذه الظاهرة محاكاة الصوت للمعنى، وهي من أبرز ما يفسّر ثراء أسماء الأصوات في اللغة العربية ودقتها.
أولًا: أصوات الحيوانات
هذه أشهر ما وضعته العرب من أسماء، ولكل حيوان اسم يخصه:
الأسد: زئير.
الذئب: عواء.
الكلب: نُباح.
القط: مُواء.
الحصان: صهيل.
الحمار: نهيق.
البغل: شحيج.
الجمل: رُغاء.
الناقة إذا حنّت إلى ولدها: حنين.
البقرة: خُوار.
الشاة والغنم: ثُغاء.
الماعز والجدي: يُعار.
الفيل: نهيم.
الضفدع: نقيق.
الحية: فحيح.
الأرنب: ضُغاء.
الثعلب: ضُباح.
الخنزير: قُباع.
الفأر: صرير.
النمر: خرخرة.
ثانيًا: أصوات الطيور
الحمام: هديل.
الديك: صياح.
الدجاجة: نقنقة.
البط: بطبطة.
الغراب: نعيب.
البوم: نعيق.
العصفور: زقزقة.
البلبل: تغريد وشدو.
الهدهد: هدهدة.
النسر: صفير.
ثالثًا: أصوات الحشرات
النحل: طنين.
الذباب: أزيز.
الجراد والصرصور: صرير.
البعوض: طنين.
رابعًا: أصوات الطبيعة والأشياء
وهذه فئة لا تقل ثراءً، بل ربما فاقت الأولى دقة:
الماء الجاري: خرير.
الرياح: صفير وحفيف وعصف.
أوراق الشجر: حفيف.
الرعد: قصف وهزيم.
النار: أزيز وزفير.
الباب القديم: صرير.
السيوف: صليل.
السلاسل: صلصلة.
الحُلي: رنين.
القلم على الورق: صرير.
الثوب الجديد: خشخشة.
الحجارة المتدحرجة: قعقعة.
الرحى: أطيط.
الرمح إذا اهتز: أزيز.
القوس عند الرمي: رنين.
الوادي إذا سال: هدير.
خامسًا: أصوات الإنسان
للعربية في هذا الباب دقة مذهلة، إذ تفرّق بين درجات الصوت الواحد:
في الفرح: تبسّم، ثم ضحك، ثم قهقهة، ثم استغراق.
في الحزن: دمع، ثم بكاء، ثم نحيب، ثم عويل، ثم ولولة.
في الخفض والرفع: همس، ثم كلام، ثم صياح، ثم صراخ، ثم عياط.
في التعبير عن الألم: أنين، وتأوّه، وزفير.
وفي الكلام الخفي: وشوشة، وهمهمة، ونجوى.
والملاحظة اللافتة: ليست هذه مترادفات، بل درجات متصاعدة. فالنحيب غير البكاء، والعويل غير النحيب، والفرق بينها في الشدة والصوت المصاحب، لا في أصل المعنى.
سادسًا: سر العلاقة بين اللفظ والصوت
عد إلى القائمة أعلاه وتأمل الحروف:
الصاد والزاي والسين تتكرر في أصوات الحدة والصفير: صرير، أزيز، صفير، صليل، زئير.
الخاء والحاء تتكرر في أصوات الاحتكاك والجريان: خرير، حفيف، خشخشة، فحيح.
النون والميم تتكرر في الأصوات الممتدة الهادئة: أنين، هديل، طنين، حنين.
التكرار في بنية اللفظ يفيد تكرار الصوت نفسه: صلصلة، قعقعة، زقزقة، بطبطة، نقنقة، هدهدة. فالحرف المكرر في اللفظ يحاكي الصوت المتكرر في الواقع.
والنقطة الرابعة أدقها: انظر كيف أن كل الأصوات المتقطعة المتكررة جاءت على وزن رباعي مكرر. وهذا ليس مصادفة، بل قاعدة صرفية تخدم المعنى.
سابعًا: أوزان أسماء الأصوات
للعربية أوزان تخصّ هذا الباب، ومعرفتها تعين على القياس:
وزن فُعال هو الأشهر في أصوات الحيوان: نُباح، رُغاء، ثُغاء، يُعار، ضُغاء، خُوار، قُباع.
وزن فَعيل يكثر في الأصوات الممتدة: صهيل، زئير، هديل، صرير، أزيز، نعيق، حنين.
وزن فَعْلَلة المكرر في الأصوات المتقطعة: زقزقة، بطبطة، قعقعة، صلصلة.
وزن فَعْل في بعضها: نبح وصهيل ونهيق، وهي مصادر تُستعمل كما تُستعمل الأوزان السابقة.
والفائدة العملية: إذا أردت أن تعرف صوت حيوان لم تسمع باسمه، فابحث عن وزن فُعال أو فَعيل من جذر يناسب هيئة الصوت، فغالبًا ستجده.
ثامنًا: لماذا هذا الثراء؟
ثلاثة أسباب متضافرة:
البيئة. فمن عاش بين الإبل والغنم والخيل احتاج أن يميّز بين أصواتها، لأن الصوت عنده علامة تدل على حال الحيوان: جوعه، أو فزعه، أو حنينه.
الشعر. فالشاعر يحتاج ألفاظًا دقيقة تناسب الوزن والقافية والصورة، وهذا يدفع اللغة إلى التوليد.
الذوق الصوتي. فالعرب كانت تُعنى بجرس اللفظ عناية بالغة، وتعيب اللفظ المتنافر الحروف وإن صح معناه.
الحاجة إلى التمييز. ففي الليل لا يُرى الحيوان ولكن يُسمع، فصار الصوت وسيلة المعرفة الأولى، واحتاج كل نوع إلى اسم يميّزه.
تاسعًا: أصوات الأصوات في القرآن الكريم
استعمل القرآن هذه الألفاظ في مواضع بديعة، وهذا يزيدها رسوخًا:
﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ — في سياق الوصية بخفض الصوت، فجاء المثال من أنفر الأصوات إلى السمع.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ — والزفير إخراج النفس بشدة، والشهيق ردّه، فصوّر حال أهل النار بأدق لفظين ممكنين.
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ — وصف للصياح في موضع الضيق.
﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ — بعد ذكر صوتها في آية أخرى، فاجتمع الصوت والحركة في تصوير واحد.
﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ — والغض الخفض، وهو لفظ يُستعمل للبصر والصوت معًا، بجامع الخفض في كليهما.
ولاحظ في الآية الأولى لطيفة: لم يقل "أقبح الأصوات" بل ﴿أَنكَرَ﴾، والنكارة أشد من القبح، لأن المنكر ما تنفر منه النفس وتستوحشه، وهذا أدق في وصف الأثر على السامع.
عاشرًا: ثراء العربية في وصف الصوت نفسه
بعيدًا عن أسماء الأصوات، للعربية ألفاظ دقيقة في وصف صفات الصوت:
الجهر والهمس: فالجهر ما اهتز معه الوتران، والهمس ما جرى معه النفس. وهو تقسيم صوتي دقيق سبق إليه علماء العربية.
البُحّة: خشونة في الصوت، والجهارة: قوته وارتفاعه.
الترخيم: تليين الصوت وترقيقه، ومنه ترخيم الاسم في النداء.
الرنين: امتداد الصوت بعد انقطاع مصدره.
الصدى: ارتداد الصوت، وقد عرفته العرب ووصفته في شعرها.
الوشوشة والهمهمة: كلام خفي لا تتبين حروفه.
اللجب والضجيج: اختلاط الأصوات الكثيرة.
وهذا الثراء يخدم الأدب مباشرة: فالكاتب الذي يعرف الفرق بين الهمهمة والوشوشة واللجب يستطيع أن يرسم مشهدًا صوتيًا كاملًا بثلاث كلمات، بينما يحتاج غيره إلى فقرة وصف.
حادي عشر: كيف تستفيد من هذه الألفاظ في كتابتك؟
نصائح عملية:
استعمل الاسم الخاص لا العام. قل "صهيل الخيل" لا "صوت الخيل"، فالاسم الخاص يرسم صورة والعام يكتفي بالإخبار.
اختر اللفظ الذي يحاكي جرسه المعنى. فحين تصف مشهدًا هادئًا انتقِ ألفاظًا فيها مد ولين، وحين تصف مشهدًا حادًا انتقِ ما فيه صفير وشدة.
لا تحشد الألفاظ الغريبة. فذكر لفظين دقيقين في الفقرة أبلغ من حشد عشرة يحتاج القارئ إلى معجم لفهمها.
اقرأ ما تكتب بصوت مسموع. فالأذن هي الحَكَم في هذا الباب لا العين.
استعن بكتب فقه اللغة المبوّبة حسب الموضوعات، فهي أسرع في الوصول من المعاجم المرتبة على الحروف.
تحقق من اللفظ قبل استعماله. فبعض ما ينتشر في القوائم الإلكترونية لا أصل له في المعاجم، والنقل بلا تحقق يشيع الخطأ.
ثاني عشر: أصوات أخرى ذكرها أهل اللغة
القائمة السابقة أشهر ما يُتداول، وفي كتب اللغة أضعافها. ومن الطريف منها:
الظبي: نزيب.
الوعل: بُغام.
الغزال: سليل.
القرد: ضحك، ويقال له زقزقة أيضًا.
الدب: قهقاع.
السمك: صفير خفيف لا يكاد يُسمع، وقد ذكره بعضهم.
الجندب: صرير.
الببغاء: نقنقة وترديد.
الصقر: غقغقة.
النعامة: زمار.
وملاحظة الإنصاف: بعض هذه الأسماء ثابت مشهور تتفق عليه المعاجم، وبعضها أورده بعض اللغويين دون بعض، وبعضها مما اندثر فلا يكاد يُعرف. والأمانة أن يُذكر المشهور جازمًا ويُنبّه على غيره، لا أن تُحشد القوائم دون تمييز كما يقع في كثير مما يُنشر.
ثالث عشر: درس تربوي من هذا الباب
هذه الألفاظ مادة تعليمية ممتازة للأطفال، لأسباب عملية:
محسوسة يسهل تخيلها. فالطفل يعرف القط والكلب والديك، فتعليمه أصواتها ربط بين ما يعرفه وما يتعلمه.
جرسها ممتع. فألفاظ مثل زقزقة وبطبطة وقعقعة تُضحك الطفل وتعلق في ذهنه من أول مرة.
تفتح باب السؤال. فالطفل الذي يعرف أن لكل حيوان صوتًا باسمه يسأل عن أصوات أخرى، فينمو معجمه بدافع ذاتي.
تبني الحس الصوتي مبكرًا. فالطفل الذي يلاحظ العلاقة بين اللفظ والصوت يكتسب أذنًا لغوية ترافقه العمر كله.
اقتراح عملي للآباء والمعلمين: اجعل من هذه الألفاظ لعبة: تقول الصوت فيقول الحيوان، ثم تعكس. عشر دقائق أسبوعيًا تبني حصيلة لا تبنيها صفحة حفظ.
أسئلة شائعة
ما صوت الجمل؟ الرُّغاء، وإذا حنّت الناقة إلى ولدها قيل: حنين. وللإبل أصوات أخرى بحسب حالها.
ما الفرق بين النباح والعواء؟ النباح للكلب، والعواء للذئب وقد يُستعمل للكلب إذا مدّ صوته.
لماذا تكثر حروف الصفير في أسماء الأصوات الحادة؟ لأن اللفظ يحاكي الصوت، فحروف الصفير كالصاد والزاي والسين تنتج في النطق أثرًا قريبًا مما تصفه.
هل هذه الأسماء مستعملة اليوم؟ بعضها شائع كالمواء والنباح والزئير، وبعضها انحسر بانحسار البيئة التي احتاجته، كأسماء أصوات الإبل وتفاصيلها. وهذا طبيعي في كل اللغات.
ما أفضل مرجع لهذا الباب؟ كتب فقه اللغة التي عُنيت بتبويب الألفاظ حسب موضوعاتها، وفيها أبواب مستقلة لأصوات الحيوان والطبيعة والإنسان.
هل يجوز القياس في أسماء الأصوات؟ الأصل السماع عن العرب، لكن الأوزان المطردة كفُعال وفَعيل تعين على معرفة الأشهر، ولا يُخترع لفظ لم يُسمع.
ما المقصود بمحاكاة اللفظ للمعنى؟ أن تكون حروف الكلمة قريبة في نطقها من الصوت الذي تصفه، كالخرير للماء والفحيح للحية.
هل هذه الظاهرة خاصة بالعربية؟ موجودة في لغات كثيرة، لكن العربية توسّعت فيها توسعًا لافتًا، وربطتها بأوزان صرفية منتظمة، وهذا ما يميّزها.
الخلاصة
العربية لم تكتفِ بأن تسمي الأصوات، بل اختارت لكل صوت لفظًا يحاكيه في حروفه ووزنه، حتى صار اللفظ نفسه صورة سمعية لما يدل عليه.
وإن أردت أن تختبر هذا، فاقرأ هذه الألفاظ بصوت مسموع: خرير، صليل، قعقعة، هديل، فحيح. ستجد أن لسانك يؤدي شيئًا قريبًا من الصوت الموصوف في كل مرة. وهذه وحدها عبقرية لا تُدرك بالقراءة الصامتة، بل بالنطق.
ولعل هذا يفسّر لماذا كانت العربية لغة سماع قبل أن تكون لغة كتابة: فالشعر يُنشد، والقرآن يُتلى، والخطبة تُلقى. ومن قرأها بعينه وحدها فقد أخذ نصفها.

0 تعليقات